سيد محمد طنطاوي
245
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
القيامة من خوف وفزع يجعلهم لا يفكرون إلا في ذواتهم ولا يهمهم شأن آبائهم أو أبنائهم . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى النفس المضافة إلى النفس ؟ . قلت : يقال لعين الشيء وذاته نفسه ، وفي نقيضه غيره ، والنفس الجملة كما هي ، فالنفس الأولى هي الجملة ، والثانية عينها وذاتها ، فكأنه قيل : يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته ، لا يهمه شأن غيره ، كل يقول : نفسي نفسي . ومعنى المجادلة عنها : الاعتذار عنها ، كقولهم : ما كُنَّا مُشْرِكِينَ وكقولهم : هؤُلاءِ أَضَلُّونا . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( وتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) * بيان لمظهر من مظاهر عدل اللَّه - تعالى - في قضائه بين عباده . أي : وفي هذا اليوم تعطى كل نفس جزاء ما عملته من أعمال في الدنيا وافيا غير منقوص ، بدون ظلم أو حيف أو ميل عن العدل والقسطاس ، ولن ينفع نفسا مجادلتها عن ذاتها ، واعتذارها بالمعاذير الباطلة ، وإنما الذي ينفعها هو عملها . وبذلك ترى الآيتين الكريمتين ، قد بينتا بأسلوب بليغ جانبا من مظاهر فضل اللَّه - تعالى - على عباده ، وجانبا من أهوال يوم القيامة ، ومن القضاء العادل الذي يحكم اللَّه به بين الناس . ثم ضرب - سبحانه - مثلا لسوء عاقبة الذين يجحدون نعم اللَّه ، ويكذبون بآياته ، فقال - تعالى - : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 112 إلى 113 ] وضَرَبَ اللَّه مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّه فَأَذاقَهَا اللَّه لِباسَ الْجُوعِ والْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ( 112 ) ولَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوه فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وهُمْ ظالِمُونَ ( 113 )
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 431 .